ثقافة

بين الأمس والغد .. راودتنى فكرة الكتابة عن الماضى وإستنتاج ماتبقى من بواطن الذاكرة الممتلئة بصور الماضى بحلوة ومرة

بين الأمس والغد
أحمد أبوحج مستشار ثقافى وإعلامى ..
راودتنى فكرة الكتابة عن الماضى وإستنتاج ماتبقى من بواطن الذاكرة الممتلئة بصور الماضى بحلوة ومرة , ودائماَ كنت أحدث نفسى من أين أبدأ مسيرة كتاباتى التى هى راسخة فى حنايا الذاكرة ؟ وجدتنى أعود إلى مرحلة ماقبل الثانوية العامة , فى فترة الإحتلال الإسرايئلى لسيناء حتى العام 1979م, هنا أتذكرماكنت أشاهدة من مشاهد يومية لحياة مفروضة على واقع مرير عشناه
تعالى معى عزيزى القارىء لنتوقف عند محطات البرنامج الفكرى لبث سموم الفكر الأهوج بين صفوف فئة المراهقين تحديداَ , والذى كان يتأتى من خلال خطة مدروسة من فكرعدو مُتحكم فى سلوكيات شعب مغلوب على أمره , كما كان الحال فى سيناء المغتصبة, وقتها كنت أبن السابعة عشر ربيعاَ , لم تخف علينا أمور كثيرة من التى كان يبثها العدو من سمومه فى ثقافات الطلبة بالمدارس خارج أسوار المدرسة , حيث العروض السينمائية لأفلام الجنس المباحة فى صالات العرض البدائية بالعريش , وأتذكر أن المبنى القديم داخل مركز شباب مدينة العريش بالساحة الشعبية كما كنا نسميها , أو ( الحشادة ) كما يطلقون عليها كبار السن , كانت هى صالة عرض لسينما بالتذكرة بسعر ( ليرة ونصف ) للفرد بعملة الدولة العبرية وقتها , تعرض هذه السينما أفلام الكاراتية وأفلام الأكشن وافلام برولسى والأفلام الهندية وغيرها , وآخر السهرة تعرض الفلم الساخن اللى بينتظروه الطلبة على شوق, وفى أماكن كثيرة متفرقة بالعريش كانت عروض سينمائية تقدم هذه الأفلام علناَ وبمباركة الحكومة العبرية طبعاَ , فمثلاَ مقر الحزب الوطنى القديم بالعريش بميدان البلدية كان هذا مبنى لمكان يطلقون علية وقتها ( نادى البادية ) فهذا أيضاَ كان به شاشة عرض سينمائية يديرها رجل فلسطينى أسمة – أبو جمال -على ما أتذكر ! تقدم هذه الشاشة أفلام خليعة على عينك يا تاجر, لارقيب ولاحسيب , طلبة المدارس كانوا يتهافتون على هذه السهرات داخل النادى الذى يقدم أفلام لهم فى كل سهرة فلم جديد , ناهيك عن شرب سجائر البانجو وتعاطى الحشيش وشُرب البيرة والخمرة فى صالات العرض , أتذكر هذة المشاهد كأنها أمامى الآن وأنا ابن الخامسة عشر , برغم كل هذه المحاولات التى كان العدو يسمح بها إلى أن الشباب معظمهم إجتازوا هذه المرحلة بسلام , والكثير منهم أكمل تعليمة والتحق بجامعات القاهرة بعد الحصول على الثانوية العامة قبل تحرير سيناء , ولحسن الحظ كنت واحداَ من هؤلاء الذين نالوا حظهم فى الحصول على مؤهل جامعى من القاهرة والحمد لله , برغم معايشتى لهذه المرحلة الفارقة فى حياتى تحت الإحتلال البغيض .
الذى جعلنى أتذكر هذه المشاهد هو ما وجدتة فى قيمة الفرق بين ماهو موجود فى فترة الإحتلال وماهو موجود فى هذا التوقيت , برغم التغير الشامل والتحول الكبير من مرحلة التعتيم والضبابية إلى مرحلة الفضاء والسموات المفتوحة وكذلك عصر الفضائيات والإنترنت , إلا أن الشباب فى سيناء وخاصة العريش العاصمة والحمد للة قادر على التمييز والحُكم على الأشياء من منطق التدين والعقيدة والفكر لأن شعب سيناء متدين بطبعة وبالفطرة , كل هذه الأشياء جعلتنى أعود بالذاكرة إلى ماقبل التحرير! اقصد تحرير الأرض والبشر ! , إلى أن أراد الله لهذه البقعة الغالية أن تستفيق من غفوتها وتُسرع فى المشاركة الفعلية فى قطار التغير لمستقبل أفضل , هذا ليس غريب على أهل سيناء الطيبين الذين دائماَ يعتمدون على الله فى تدابير شئون حياتهم , ودائماَ ومازلت أراهن على أن أهل سيناء مازلون يمثلون صمام الأمن والآمان لمصرنا الغالية وهم حراس البوابة الشرقية منذ الأزل , وشاءت الأقدار أن تتحول هذه الأماكن لمراكز للتنوير والثقافة كما هو الحال الآن فى الصالون الأدبى بمركز شباب العريش والشباب والرياضة الذى يديرة نخبة من شعراء العريش تحت رعاية مديرية الشباب والرياضة , هو نفس المكان الذى كان بالأمس مكان لبث سموم الفكر الإباحى وعرض الخلاعة والمجون أصبح اليوم هونفس المكان الذى تنتشر منه ثقافة الأدب والشعر , وهذا هو الفرق بين الأمس واليوم والغد …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق